وأنا صغير، كنت موقنًا أنني عندما أكبر سأصبح شخصًا مشهورًا.
الآن أعرف من أين جاء هذا اليقين؛ من أمي. كانت تعدني، وهي تحمّمني، بأن الفتيات سيلتففن حولي عندما أكبر.
ماتت للأسف قبل أن تخبر الفتيات أنني كبرت!
في الجامعة، كانت الفتيات يلتففن حول «العندليب الأبيض». لم يكن الأجمل، ولا الأغنى، ولا حتى الأذكى؛ كان فقط الشخص الذي لا يخجل من الادعاء بأنه شبيه العندليب الأسمر... وهذا كان كافيًا.
أما أنا، فكنت أمتلك موهبة أخرى: أن أضيع في الزحام. كنت أفكر طويلًا قبل أن أرفع يدي في المحاضرة، وأتلعثم في أبسط الأحاديث، ثم أعود إلى البيت وأتخيل الحوارات التي كان يجب أن أقولها.
كانت كل فتاة تشعر بالفخر لأنها تعرف شخصًا يعرفه الجميع. كنت أجلس بجواره أحيانًا، فأشعر أنني جزء من ديكور المشهد؛ يسلم الناس عليه، يصافحونه، ينادونه بالفنان، ويسألونه عن مشاريعه الفنية المقبلة، وكان يجيب بثقة رجل لا يحتاج إلى دليل.
في ذلك الوقت فهمت أن هناك موهبة لا تقل أهمية عن أي موهبة أخرى: أن تكون وقحًا بما يكفي حتى يراك الناس.
بعد التخرج بسنوات، عرفني أحد الأصدقاء على مخرج ينقل مباريات كرة القدم للتليفزيون.
قال لي:
— "لقطة واحدة جيدة... قد تختصر عمرًا من التعب".
أعجبني منطقه، واتفقنا على سعر ثابت لكل لقطة تلتقطني فيها الكاميرا لبضع ثوانٍ.
كان المبلغ كبيرًا، لكن عندما سلمته النقود، لم أشعر أنني أدفع ثمن ظهور في مباراة، بل شعرت أنني أشتري تذكرتي الأولى إلى الحياة التي أستحقها.
ليلة المباراة وقفت أمام المرآة أتدرب:
جربت ابتسامة لاعب سجل هدفًا حاسمًا... فلم تعجبني.
جربت ملامح ممثل يتلقى جائزة... فبدت مصطنعة.
ثم استقر رأيي على الوجه المناسب: وجه فيلسوف يحمل سر الكون؛ رجل لا يشاهد مباراة، بل يتأمل مصير البشرية!
جاءت مباراة الأهلي والزمالك، دخلت الاستاد مبكرًا وجلست في المكان المتفق عليه. لم أتابع الإحماء ولا تشكيل الفريقين، كنت أراقب الكاميرات فقط وأنتظر أن تستدير نحوي.
وما إن اقتربت إحداها حتى ارتديت وجهي الأكثر عمقًا...
مرت الكاميرا، وانتهى الأمر.
الآن رآني الملايين، ولا بد أنهم يتساءلون:
من هذا الرجل؟
خرجت من الاستاد متوقعًا أن يصبح السير في الشارع مستحيلًا؛ ربما سأحتاج إلى نظارة سوداء، وربما إلى سيارة بزجاج معتم.
أما زوجتي... فلم تعد تناسب المرحلة!
أحتاج الآن امرأة تعرف كيف تتعامل مع ضغوط المعجبات دون أن تضعني في مواقف محرجة.
اتصلت بها...
وطَلَّقتها!
الغريب أنها بدت متفهمة جدًا ولم تغضب، بل تمنت لي التوفيق...
عجيب هذا!
لم أفكر إن كنت سأتزوج مرة أخرى، بل أيهما ستسبق الأخرى إلى التعرف عليّ: شبيهة زبيدة ثروت أم شبيهة سعاد حسني؟
كنت أستعد للمقابلات التلفزيونية، وأتخيل المذيعة تنظر إليّ في دهشة وتقول:
- "ثانية واحدة... أنت عملت كل ده بنفسك؟"
فأبتسم في تواضع وأقول:
- "الحمد لله... مجرد توفيق من ربنا".
فتصفق، ويصفق الجمهور معها، ثم تسألني السؤال الذي أنتظره منذ طفولتي:
- "إزاي؟"
تجنبت الاصطدام بالمعجبين، ولم أكن مستعدًا للعودة إلى البيت الآن، فطليقتي لن تتقبل بسهولة وجود رجل مشهور معها، وسأنتظر حتى تُسوّى الإجراءات القانونية.
تخيلت القاضي يطلب من الجميع الجلوس بأدب، ثم ينظر إلى محامي طليقتي باستياء؛ لأنه لا يدرك أنه يختصم رجلًا مشهورًا...
للشهرة قانونها الخاص، وكنت متأكدًا أن القاضي سيعرف ذلك.
لكن شيئًا غريبًا حدث؛ كان الطريق مزدحمًا، والناس تمشي كأن شيئًا لم يحدث!
رجل اصطدم بي دون اعتذار، وبائع متجول ناداني:
"يا أستاذ... تشتري؟"
حتى سائق التاكسي سألني:
"رايح فين؟"
كأنه لا يعرفني أصلًا!
لا بد أنهم لم يشاهدوا المباراة.
اتصلت بالمخرج:
- "عزيزي، لم يلاحظني أحد تقريبًا. أعتقد أن ظهوري على الشاشة كان أقل من الوقت المناسب".
قال:
- "المشكلة ليست في الوقت".
- "إذن؟"
- "الناس لا تتذكر الوجوه... تتذكر العلامات".
- "ماذا تقصد؟"
فكر قليلًا ثم قال:
- "ضع في فمك زمّارة ".
أغلقت الهاتف واشتريت زمّارة كبيرة.
في المباراة التالية، لم أشاهد الملعب إلا من خلال الكاميرات؛ كلما اقتربت العدسة، نفخت بكل ما في رئتيّ حتى انتهت المباراة وأنا لا أعرف من فاز، لكنني عرفت شيئًا أهم:
ظهرت على الشاشة سبع ثوانٍ.
اتصلت بالمخرج، فقال:
- "أحسنت... لكن الناس تتعود بسرعة".
- "ماذا أفعل؟"
- "ارتدِ طربوشًا أحمر".
اشتريت الطربوش.
في البداية شعرت بشيء من الحرج؛ كنت أخفيه داخل حقيبة سوداء حتى أصل إلى بوابة الاستاد، ثم أرتديه قبل الدخول بلحظات.
بعد المباراة الثالثة لم أعد أخفيه.
صرت أرتديه منذ خروجي من البيت.
كان الأطفال يضحكون ويشير بعض المارة نحوي، فأخفض رأسي قليلًا.
ثم أتذكر أن هذه هي ضريبة الشهرة...
فأرفع رأسي من جديد.
في المباراة التالية، جلست في المدرجات وأنا أرتدي الطربوش وأنفخ في الزمّارة كلما اقتربت الكاميرا.
كانت الزمّارة كبيرة وثقيلة، والتفت إليّ الجالسون حولي بضيق، أما الكاميرا فتوقفت عندي أكثر من مرة.
بعد المباراة شاهدت الإعادة:
عشر ثوانٍ!
الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.
قال المخرج في مرة:
— "نحتاج شيئًا لا يستطيع المشاهد تجاهله".
سألته:
— "مثل ماذا؟"
قال:
— "زيّ مهرج".
ضحكت وظننته يمزح، لكنه لم يكن يمزح.
اشتريت زيّ المهرج ووقفت أمام المرآة مرتديًا إياه.
بدوت مضحكًا.
لكن مَن من المشاهير لم يسخر الناس منه في البداية؟!
بدأ الناس يلتفتون إليّ في الشارع، وعرفت أن الخطة تنجح.
في البنك: تجاوزت الطابور، فاعترض رجل مسن.
ابتسمت له في تسامح وقلت في سري:
واضح أنه لا يتابع الدوري!
في الشارع: حرر لي ضابط شرطة مخالفة، فأعجبتني مهنيته؛ لا يريد أن يتهمه أحد بمجاملة المشاهير!
في المطعم: جلست إلى طاولة ملاصقة للواجهة الزجاجية وانتظرت أن يطلب النادل صورة أو توقيعًا.
لكنه وضع قائمة الطعام أمامي وسأل:
"هتطلب إيه؟"
طلبت الطعام، ثم انتظرت الخصم.
فجاء بالحساب كاملًا!
ابتسمت؛ لا يريد إحراج بقية الزبائن.
أصبح الناس ينظرون إليّ كثيرًا، ولكي أوفر عليهم حرج المبادرة، صرت ألتقط الصور معهم قبل أن يطلبوا هم ذلك!
وكان بعضهم يرفض...
احترامًا لخصوصيتي.
وفي المباراة الأخيرة من الموسم، كنت أرتدي زيّ المهرج وفوقه الطربوش الأحمر، أقرع الطبل بيد وأنفخ في الزمّارة بالأخرى، وأرقص كلما اقتربت الكاميرا.
كانت الكاميرا تعود إليّ مرة بعد أخرى.
في تلك الليلة، بحثت عن اسمي على الإنترنت فلم أجد شيئًا.
لكن ظهرت عشرات المقاطع تحت اسم:
«الرجل الطربوش».
أحدها تجاوز مليون مشاهدة!
فتحت التعليقات...
ثم أغلقتها.
المهم أنهم يتحدثون عني.
فالشهرة لا تأتي دفعة واحدة؛ في البداية يحفظ الناس وجهك، ثم يشتمونك، ثم يعرفون اسمك ويعترفون بفضلك.
أنشأت صفحة رسمية باسمي.
وكان أول منشور:
"شكرًا لكل جمهوري."
لم يُعجب به أحد.
في اليوم التالي، نشر شخص مقطعًا لي بعنوان:
«عبيط المدرجات».
حصد نصف مليون إعجاب...
شاركتُه على صفحتي!
-------------------------------
بقلم: محمد رحيم







